لم يكن أنطون سعاده يرى أن المشكلة الأساسية في الأمة السورية تكمن في ضعف مواردها أو قلة إمكانياتها، بل في تمزق مجتمعها وانقسامه إلى جماعات متناحرة، غلبت عليها العصبيات الدينية والمذهبية والإقطاعية والعائلية، حتى فقدت الأمة وحدتها الاجتماعية، وتبددت طاقاتها في صراعات داخلية حالت دون قيام إرادة قومية واحدة. ولهذا لم يكن هدف النهضة مجرد الدعوة إلى الوحدة السياسية، بل إعادة بناء وحدة المجتمع نفسه، لأن الأمة لا تستطيع أن تنهض ما لم تستعد أولاً وحدتها في الشعور والمصلحة والغاية.
ومن هنا جاءت دعوة سعاده إلى القضاء على الحزبيات الدينية، لا لأنها تعبير عن الإيمان الديني، بل لأنها تحوّلت إلى أدوات لتجزئة المجتمع وتمزيق وحدته. وقد ميّز بوضوح بين الدين بوصفه علاقة روحية سامية، وبين الحزبية الدينية التي تجعل الانتماء الطائفي مقدماً على الانتماء القومي، فتقوّض وحدة الأمة وتمنع قيام الدولة التي تمثل جميع أبنائها.

ولهذا أكّد أن النهضة القومية الاجتماعية لا تستهدف إلغاء الأديان أو محاربة المعتقدات، وإنما تحرير المجتمع من الانقسامات التي عطلت تطوره التاريخي، وإقامة وحدة قومية تقوم على الاشتراك في الحياة والمصلحة والمصير، بحيث يشعر جميع أبناء الأمة أنهم ينتمون إلى مجتمع واحد، تتقدم فيه المصلحة العامة على الولاءات الجزئية والانتماءات الفئوية.
وهكذا يتضح أن وحدة المجتمع، في فكر سعاده، ليست نتيجة لقيام الدولة، بل هي الشرط الذي يجعل قيام الدولة القومية ممكناً. فالدولة لا تستطيع أن توحّد مجتمعاً ممزقاً، وإنما تنجح حين تقوم على مجتمع سبق أن استعاد وحدته القومية وتجاوز الانقسامات التي كانت تحول دون نهضته. ومن هنا كانت وحدة المجتمع أول مرتكزات المشروع النهضوي، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه الدولة، والنظام، والاقتصاد، وسائر مؤسسات الحياة القومية.